محمد جمال الدين القاسمي

384

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

رواية : هو الضيف المحول رحله . فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول . قال ابن كثير : وقد روى الجماعة ( سوى النسائيّ والترمذيّ ) عن عقبة بن عامر « 1 » قال : قلنا : يا رسول اللّه ! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى ؟ فقال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف ، فاقبلوا . فإن لم يفعلوا ، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم . وروى الإمام أحمد « 2 » عن المقدام أبي كريمة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما ، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله . و روى هو وأبو داود « 3 » عنه أيضا . سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ليلة الضيف واجبة على كل مسلم . فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه . فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه . ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة ؛ أن رجلا أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن لي جارا يؤذيني . فقال له : أخرج متاعك فضعه على الطريق . فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق . فكل من مرّ به قال : ما لك ؟ قال جاري يؤذيني . فيقول : اللّهم ! العنه . اللهم ! أخزه . قال فقال الرجل : ارجع إلى منزلك . واللّه ! لا أوذيك أبدا . ورواه أبو داود « 4 » في كتاب الأدب . وقال عبد الكريم بن مالك الجزريّ ، في هذه الآية . هو الرجل يشتمك فتشتمه . ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه . لقوله تعالى وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى : 41 ] . وقال قطرب : معنى الآية : إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول ، من كفر أو نحوه . فهو مباح له . وسئل المرتضى عنها فقال : لا يحب اللّه ذلك ولا يجيزه لفاعله . إلا من ظلم . وذلك مثل ما كان من مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من العقاب والضرب ، ليشتموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويتبرءوا منه . ففعل ذلك عمار . فخلّوه وصلبوا صاحبه . فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه . وفي عمار وصاحبه نزل قول اللّه في سورة النحل : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ النحل : 106 ] . فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من شحنه بالإيمان . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأدب ، 85 - باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه ، حديث 1213 . ( 2 ) أخرجه في المسند 1 / 454 . ( 3 ) أخرجه في المسند 4 / 130 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 123 - باب في حق الجوار ، حديث 5153 .